ابن كثير

136

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

حدثنا محمد بن الحارث الجبلي ، حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أن تقول إن شاء اللّه ، وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس في قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ، وقال : هي خاصة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه ، ثم قال : انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين ، ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون اللّه تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر اللّه تعالى ، لأن النسيان منشؤه من الشيطان ، كما قال فتى موسى : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الكهف : 63 ] وذكر اللّه تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان ، فذكر اللّه تعالى سبب للذكر ، ولهذا قال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وقوله : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه ، فاسأل اللّه تعالى فيه ، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك ، وقيل في تفسيره غير ذلك ، واللّه أعلم . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) هذا خبر من اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم اللّه وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان ، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية ، وهي الثلثمائة سنة بالشمسية ، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين ، فلهذا قال : بعد الثلاثمائة وازدادوا تسعا . وقوله : قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من اللّه تعالى فلا تتقدم فيه بشيء ، بل قل في مثل هذا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه ، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف . وقال قتادة في قوله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ الآية ، هذا قول أهل الكتاب ، وقد ردّه اللّه تعالى بقوله : قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا قال : وفي قراءة عبد اللّه وقالوا : وَلَبِثُوا ، يعني أنه قاله الناس « 1 » ، وهكذا قال كما قال قتادة مطرف بن عبد اللّه ، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر ، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع ، يعنون بالشمسية ، ولو كان اللّه قد حكى قولهم لما قال : وازدادوا تسعا ، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من اللّه لا حكاية عنهم ، وهذا اختيار ابن جرير رحمه اللّه ، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة ، ثم

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 210 .